الموت مقابل تذكرة.. مصر التي رُميت من القطار

مصر

في مصر، ثمة موت يمكن القول إنه غرائبي؛ ففي كل مرة تعيد فيها ترتيب مشاهده تكون النتيجة مؤسفة في أحسن الأحوال، وكأن النهايات المأساوية أشبه برياضة روتينية تُمارس كل يوم على أمل النجاة. وفي ذلك لا أحد يجيب عن السؤال المربك: “من صنع الحبكة التي أخرجت كل هذا البؤس مع رحيل أحدهم؟” 

هذه المرة مسرح الموت كان داخل أحد القطارات، حيث الركاب يمارسون طقوس السفر المعتادة بين النوم والأكل والقراءة وتأمل اللاشيء، والعربات تشق عتمة القضبان الممتدة بين الإسكندرية والأقصر، وأثناء الانشغال والعتمة خُيّر شابان يشقان طريق الحياة بين دفع ثمن تذكرة الركوب أو الموت. 

مع الصباح، وصل القطار رقم 934 من الإسكندرية إلى الأقصر، حاملا جميع الركاب عدا الشابين، لأنهما اختارا مواجهة الموت على دفع قيمة التذكرة التي تبلغ قيمتها سبعين جنيها (نحو أربعة دولارات)، فهما لم يكونا عند لحظة التخيير والاختيار قادرين على امتلاك ثمن الحياة. 

هكذا ببساطة مات مواطن وأصيب آخر لأن الكمسري (مسؤول جمع التذاكر) لخص سياسة السلطة وخيّر الشابين بين دفع المال أو التسليم للشرطة أو القفز من القطار، فانقادا إلى الحل الأخير لأنهما فقيرين، ولأن الموت -من وجهة نظرهما- أهون من ملاقاة رجال الأمن.


موت قديممات والده قبل سنوات، ولأنه اضطر للتكفل بالإنفاق على أمه وإخوته، لم يجد الشاب محمد عيد -الذي لم يتعد 23 ربيعا- سوى بيع الميداليات التذكارية على شاطئ الإسكندرية. 

داوم على السفر من القاهرة -حيث مسكن أسرته- إلى الإسكندرية بشكل دوري مع صديقه أحمد سمير (25 عاما) بحثا عن لقمة العيش على شواطئ المدينة، وفي آخر سفرة نفد ما معه من مال لأن الأمطار التي ضربت البلاد خلال الأسبوع الماضي حالت بينه وبين لقمة العيش. 

اضطر الصديقان لركوب القطار بلا تذكرة لأنهما لا يملكان ثمنها؛ وحسب تصريح لشقيق محمد “اتصل بيا وقالي أنا مش معايا فلوس عشان أرجع، قولتله اركب القطار وأنا هحاسب هنا (في القاهرة) أول ما توصل المحطة”. 

“يا تدفعوا يا تنطوا”. هكذا كان خيار الكمسري لمحمد وصديقه؛ ثم فتح باب القطار بأريحية ليقفز منه الشابان إلى الموت. 

ولم تكن عجلات القطار أكثر رأفة من الكمسري، فانقسم جسد محمد تحتها لتنفصل رأسه عن رقبته، في حين منح القدر صديق محمد فرصة أخرى للحياة؛ فأصيب بجروح وسحجات. 

في تصريحات إعلامية، قال أحمد سمير إنه فتح حقيبته أمام الكمسري ليظهر له كل الميداليات التي لم يبع منها واحدة بسبب الأمطار، لكن ذلك لم يكن كافيا على ما يبدو لنيل عطف ذلك الرجل. 


الكمسرييبدو تصرف الكمسري حادا، بل وصفه كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي بغير الآدمي، لكن أسئلة عدة تلوح في أفق الحادثة: هل أتى تصرف الرجل من فراغ؟ وهل ما فعله ليس إلا تطبيقا عمليا لتصريحات رئيسه؟ وهل السلطة لا ترمي مصر كلها من القطار؟ 

لنتذكر بعضا من تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي التي تتصف بالبراجماتية في التعامل مع مواطني الدولة، والتي تشبه كثيرا تصرف هذا المواطن البسيط الذي يعمل مسؤولا للتذاكر بالهيئة العامة لسكك حديد مصر، والذي يرجح أن يكون هو الآخر من فئة الفقراء: 

قبيل الانتخابات الرئاسية عام 2014 عقّب السيسي على مظاهرات فئوية قائلا “هتاكلوا مصر يعني؟ هتموتوها يعني؟” 

وقال في تصريح له في أغسطس/آب 2018: “ادفع مافيش حاجة ببلاش”. وفي أغسطس/آب الماضي تحدث عن تقنين أرض منطقة كينج مريوط بالإسكندرية، وقال “هاخد فلوس التقنين كاش واللي معهوش”.. سكت السيسي ليرد أحد مقربيه مكملا المثل الشعبي قائلا “مايلزموش”! كان صاحب الرد هو اللواء كامل الوزير الذي يتولى حاليا وزارة النقل. 

وفي مايو/أيار 2017، تحدث الرئيس عن زيادة أسعار تذاكر القطارات، وقال “المواطن اللى بيشتكى من زيادة أسعار تذاكر المواصلات وبيقول أنا مش قادر.. أنا كمان غلبان مش قادر”. 

وخلال إعلانه عن إنشاء صندوق “تحيا مصر”، قال السيسي “حب الوطن مش كلام.. هتدفعوا هتدفعوا.. بقول أهو: هتدفع يعني هتدفع.. هاخد حقي تمام وزيادة حبة لمصر”. 

ونعود للوزير كامل الوزير الذي خرج على قناة تلفزيونية مساء أمس ليتحدث عن الحادث، ويقول إن ثقل وزن الشاب المتوفي هو ما أدى إلى دهسه تحت عجلات القطار، مدللا بنجاة الشاب الآخر لوزنه الأخف! 

ذلك التصريح يذكّر بتصريح لوزير الداخلية عقب مقتل الشابة شيماء الصباغ خلال إحياء ذكرى ثورة يناير قبل ثلاثة أعوام، عندما قال وزير الداخلية إن جسدها النحيف هو ما أدى إلى وفاتها برصاص الشرطة. 

قطار الوطن
رواد مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلوا مع الحادثة، واعتبروها ملخصة لحال مصر، فكتب حساب يحمل اسم حمدي زافون على موقع تويتر “القطار هو الوطن.. والكمساري هو السيسي.. والشابين اللي ماتوا هما الغلابة.. وإحنا الركاب”.

وسخر أكرم علي من تصريحات السيسي فكتب “هتقولي انا غلبان ممعييش.. هقولك انا كمان غلبان ممعييش..أول رئيس بلطجي”.

أما الكاتب الصحفي أنور الهواري فعلق عبر حسابه على فيسبوك “باختصار شديد؛ محصل القطار نموذج مثالي في تطبيق التوجهات الرسمية لنظام الحكم، حيث أمام المواطن ثلاثة خيارات، وعليه أن يختار بينها: إما الدفع، وإما البوليس، وإما الموت. وهذه هي أهم بنود العقد الاجتماعي الجديد 2013م – 2019م.

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.